مدخل القضاء العسكري دراسة مقارنة

: بـقلم
  • الدكتور علاء الدين علي شلبي
صورة الكتاب


يعتبرُ التشريعُ العسكري بشكل عام تشريعًا جنائيًا خاصًا بالنسبة إلى التشريع الجنائي العام, فهو جامعٌ للأحكامِ الماديةِ والشكليةِ من حيث تحديد الجرائم المخلة بأمنِ ومصالحِ وانتظامِ القواتِ المسلحة, وتحديد عقوبات مناسبة لكلِّ جريمةٍ، فضلاً عن تحديد الإجراءات واجبة الاتباع لمعاقبةِ المخلينَ بالقواعدِ والأحكامِ العسكرية، وهذا يعني أنَّ المشرّعَ اتجه إلى تخصيص القضاء العسكري من حيث المكان والموضوع والأشخاص. تأتي الحكمةُ من إنشاءِ هذه المحاكم في إيجاد نظامٍ خاص للقواتِ العسكريةِ، يتفقُ مع طبيعةِ المهامِ الموكلة إليها وتشكيلها مما يقتضي وجود قضاء عسكري خاص يخضعُ له منتسبو القواتِ المسلحة، كما أنَّ الجرائمَ التي تقعُ داخلَ المعسكراتِ تنطوي في غالبيتها على أسرارٍ ينبغي المحافظة عليها لاعتباراتٍ تتعلقُ بالأمنِ والسرية، الأمرُ الذي يقتضي وجودَ قضاءٍ عسكري متخصص للنظر في تلك الجرائم. القضاءُ العسكريُّ قضاءٌ خاصُّ له قواعدُه ونظمه الخاصة فيه، كما جاء في القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل لسنة 2003، تنشأُ المحاكمُ العسكريةُ بقوانينَ خاصةٍ حيث ليس لهذه المحاكم أيُّ اختصاص أو ولاية خارج نطاق الشأن العسكري، وكونه قضاءً خاصًا فهو بحاجةٍ لتشريعٍ جنائيٍّ خاصٍّ يحددُ الأحكامَ الماديةَ والشكليةَ للجرائم المخلة بأمن ومصالح وانتظام القوات المسلحة وتحديد عقوبات مناسبة لها، فضلًا عن تحديدِ الإجراءات واجبة الاتباع لمعاقبة المخلينَ بالقواعدَ والأحكامِ العسكرية، فالقضاءُ العسكريُّ الفلسطيني جهازٌ قانونيٌّ أوجدته قوانينُ خاصة، صدرت في العام(1979) بموجبِ القرارِ التشريعي رقم(5)الصادر عن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، أُطلق عليه في حينها القضاء الثوري. وعليه يمكنُ القول أنَّ القضاءَ العسكريَّ بشكلٍ عامٍ هو جهازٌ قضائيٌّ متخصصٌ يمارسُ جزءًا من السلطة القضائية في الدولة على فئةٍ معينةٍ من الأفراد، وهم العسكريون ومن في حكمهم وعلى جرائم معينة حددها القانون. وإذا كانت القاعدةُ هي أنْ يخضعَ لأحكام التشريع الجنائي كلُّ فردٍ في المجتمع وذلك على اعتبار أنَّ الفلسطينيين سواء في الحقوق والواجبات، استنادًا للمادة (9) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة (2003)، إلا أنَّ قانونَ العقوبات الثوري لسنة (1979) يأخذُ في تحديده للأشخاص الخاضعين له بمعيارين: معيارٌ شخصيٌّ يعتمدُ على الصفة العسكرية والثورية، وآخرُ معيارٌ موضوعيٌّ يعتمدُ على نوع الجريمة، الأمر الذي يثيرُ جدلاً واسعاً حول مدى قانونية إخضاع المدنيين غير العسكريين للقضاء العسكري استنادًا لمعيار الاختصاص الموضوعي، حيث يعتبرُ امتدادُ اختصاصِ القضاء العسكري على المدنيين اقصاءً لولاية القضاء العادي، وتعارضاً مع نص المادة (30) فقرة (1) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل التي تنصُّ على " أنَّ التقاضيَ حقٌّ مصونٌ ومكفولٌ للناس كافة، ولكلِّ فلسطيني حقُّ الالتجاءِ إلى قاضيه الطبيعي". ينصب هذا الكتاب على الولاية القضائية للقضاء العسكري الفلسطيني من حيث بيان معيار الاختصاص للقضاء العسكري القائم على ثلاثة ضوابط تتعلق بالمكان او الاختصاص الشخصي او الموضوعي، حيث تبنى المشرع الفلسطيني أكثر من معيار في تحديد إختصاص القضاء فقد أخضع لأحكامه بصفة شخصية مجموعة محددة على سبيل الحصر، وبصفة موضوعية فإن من ارتكب مجموعة معينة من الجرائم تسري أحكام هذا القانون عليه، وذلك مقارنة مع الدول الاخرى. كما تطرق الكتاب لإظهار اوجه التنازع بين القضاء العسكري والقضاء المدني سواء كان تنازعا ايجابيا او سلبيا حيث أكد القانون الأساسي الفلسطيني على انشاء المحاكم العسكرية بقوانين خاصة وبأنه ليس لهذه المحاكم أي اختصاص أو ولاية خارج نطاق الشأن العسكري، وعليه كان لا بد من تحديد المرجع المختص بنظر التنازع بين القضاء العسكري والقضاء المدني سواء في فلسطين او في القوانين المقارنة، وعليه كان لا بد من بيان مدى دستورية القضاء العسكري ومشروعية احكامه من خلال تناول التنظيم الدستوري للقضاء العسكري الفلسطيني مقارنا بالدول الاخرى والمعاهدات والمواثيق الدولية، ومشروعية الاحكام الصادرة عن القضاء العسكري. من جهة اخرى يختلف اختصاص القضاء العسكري في الظروف الاستثنائية عنه في الظروف العادية، حيث يتم تعطيل بعض مواد الدستور المتعلقة بالحقوق والحريات في مثل هذه الظروف والحالات وتختلف درجة الاهتمام والحماية لهذه الحقوق والحريات زمن الحرب عنها زمن السلم، لذا من الاهمية بمكان التطرق لمدى مشروعية محاكمة المدنيين امام القضاء العسكري سواء في فلسطين او القوانين المقارنة ومن ثم بيان اثر هذه الظروف الاستثنائية كما حدث في اعقاب انقلاب حركة حماس في قطاع غزة وما صدر من مراسيم رئاسية وسعت من اطار اختصاص القضاء العسكري الفلسطيني.